
خُطْبَةُ المتَّقِيْنَ فِي نَهْجِ البَلاغَة
روي أنّ صاحباً لأمير المؤمنين(عليه السلام) يقال له همّامٌ كان رجلاً عابداً، فقال له: يا أمير المؤمنين، صف لي المتقين كأني أنظر إليهم، فقال(عليه السلام): يا همّامُ، اتقِ اللهَ وأحْسِنْ فَـ (إنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) فلم يقنع همّامٌ بِذَلِكَ حتّى عزم عليه.
فحمد أمير المؤمنين الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي(صلى الله عليه وآله)، ثم قال(عليه السلام):
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ. فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ. نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ. لَوْ لاَ الاَْجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ.
عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ.
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ. صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم.
أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا.
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ، فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ.
وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض، وَيَقُولُ: قَدْ خُولِطُوا! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! (إلى قوله) نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة. أَتْعَبَ نفسه لاِخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ. فصعق همّام رحمه الله صعقةً كانت نفسُه فيها.
فقال أميرالمؤمنين(عليه السلام): أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا؟ فقال له قائل: فما بالك يا أميرالمؤمنين ؟
فقال(عليه السلام): وَيْحَكَ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَل وَقْتاً لاَ يَعْدُوهُ، وَسَبَباً لاَ يَتَجَاوَزُهُ، فَمَهْلاً، لاَ تعُدْ لِمِثْلِهَا، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ!
إِسْتِغْنَاءُ اللهِ تَعَالَى عَنْ خَلْقِه
قال الإمام علي(ع) في مقدمة الخطبة التي وصف فيها المتقين:
: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ، وَوَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ :
قبل البدء بالحديث عن صفات المتقين تجدر الإشارة إلى المقدمة العظيمة التي افتتح بها الإمام كلامه والتي تشتمل على أكثر من مبدأٍ عقائدي.
أما موضوع الخالقية المشار إليها في كلام الإمام فإن جميع العقلاء يعتقدون بخالقية الله عز وجل للأشياء لأنهم مفطورون على هذا الشعور الذي قال الله فيه(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فلم يسمع البشر عبر تاريخهم بأن إلهاً غير الله قد بعث الأنبياء إليهم وأرسل الرسل إلى الأمم مبشرين ومنذرين، هذا الأمر لم يقم به سوى الله عز وجل الذي أرسل رسله بالتعاليم السماوية وسددهم بالمعجزات كعلامة على صدق ما يدعون الناس إليه، وهذا من أكبر الأدلة على كونه تعالى هو الخالق وهو الواحد الذي لا شريك له، فلقد أوجد الله خلقه من العدم وهذه هي القدرة اللامتناهية الممنوعة عن الخلق بل المفقودة لديهم لأنها من صفات الخالق وليست من صفات المخلوق الفقير إلى خالقه والمحتاج إليه في جميع مراحل الحياة، ولقد بيّن الله لنا ضعف المخلوق عبر قوله المبارك في سورة الحج(يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)
والله عز وجل غني عن خلقه، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا معاند، فإن الله هو الغني العزيز ونحن الفقراء إليه، وهو تعالى ليس غنياً عنا فقط بل غني عن عبادتنا له لأن طاعاتنا لا تنفعه بل تنفعنا نحن في موازين يوم القيامة لأنها معيار الفوز هناك أو الهلاك.
فطاعتنا لا تنفع الخالق، ومعصيتنا لا تضره مهما كانت كبيرة وكثيرة فهو آمِن من ذلك لا يطاله منا شيء بتاتاً.
فالمطيع ينفع نفسه، والذي يعصي يضرها، قال تعالى(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) غاية ما في الأمر أننا إذا أطعنا فإن الله تعالى يعلم ذلك ويثيبنا عليه بسبب رحمته الواسعة ولطفه الكبير ليس أكثر، قال سبحانه(فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)
عَدَمُ انْتِفَاعِ اللهِ بِطَاعَاتِنَا
هناك ميزان عقائدي يجب أن نجعل منه منطلَقاً لنا في حياتنا الدينية لأنه يضبط توجّهاتنا وينظّم جانباً مهماً من عقائدنا التي يجب أن تكون صحيحة وثابتة وغيرَ قابلة لأي تغيير لأن اهتزاز العقائد أثر من آثار إبليس فهو النافذة الأولى له لإبعاد العبد عن ساحة ربه، أو على حد تعبير العرفانيين : إخراجه من الحضرة الإلهية:
فمن إحدى مهمات الشيطان تجاه الإنسان هو إشعاره بالمِنّة تجاه الطاعات التي يلتزم بها، فيجعله يرى بأنه متفضّل على ربه أو أنه يستحق الثواب العظيم بأعمال قليلة قد لا تأخذ خمسة بالمئة من حيّز زمان الإنسان ومكانه أو من حيّز حياته عموماً.
وكلنا نسمع كلاماً من بعض الناس مشابهاً لهذا الذي ينفث به الشيطان على ألسنتهم ليُغرق قلوبهم في متاهات التكبر الذي يبغضه رب العالمين ويواعد عليه العذاب الأليم، وهو القائل(أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) فهؤلاء يقولون نحن نقوم بواجباتنا نصلي لله ونصوم لله ونحج لله وهم يقصدون بذلك أن لا شيء آخر عليهم وأنهم يستحقون العطاء الكبير والجزاء الحسن مقابل تلك الأعمال القليلة التي يتعبدون بها، وهنا لا بد أن نشير إلى المعادلة الجزائية العامة والمعادلة الخاصة، أما المعادلة العامة فهي التي تخضع لموازين بشرية وضعية تجعل الجزاء بمستوى العمل، يعني مَنْ داوم في عمله بشكل مستقيم استحق الأجرة المتفق عليها عالمياً وذلك ضمن الأساليب المتّبعة بين المؤسسات والعمّال فلا تختلف أجرة الواحد عن الآخر إلا بشكل مقبول وذلك بحسب المهنة التي يزاولها، وهذا أمر منطقي يمكن وصفه بالجزاء العادل إلا إذا سلك أحد أصحاب المؤسسات طريق الظلم فخرج عن تلك الحدود ولم يعط عمّاله الحقوق المعترف بها أو المتفق عليها.
هذه تقريباً حدود المعادلة العامة في العطاء والجزاء وإنها وإن خرجت عن نطاقها فلا تتعدى بضعة أضعاف، يعني لنفرض أن الأجرة اليومية للعامل هي ثلاثون ألف ليرة يمكن لبعض المؤسسات أن تكرّم موظفيها لأسباب تجارية خاصة فتعطيهم مقابل عمل اليوم الواحد خمسين ألفاً أو ستين ألفاً أو مئة ألف وهذا فرض بعيد لأننا لا نرى مثله في مجتمعاتنا التي بُنيت في الغالب على ظلم العمال، وجُمعت ثروات الكبار على حساب الضعفاء من الناس.
أما المعادلة الجزائية الخاصة فإنها تختلف كثيراً عن المعادلة العامة لأن الله تعالى يتعامل مع خلقه بمعادلة تتناسب مع رحمته الواسعة، فقد يطيع الإنسان ربه أياماً قليلة أو أشهراً معدودة أو سنوات محدودة ثم يدركه الموت فسوف يعطيه الله جزاءاً لو أردنا أن نجري عليه أحكام المعادلة العامة لكان أكبر من أعمال البشر جميعاً من عهد آدم وإلى يوم القيامة، هذا بالنسبة لعطاء شخص واحد، أما عطاء الجميع فهو أمر فوق التصور وأبعد من الخيال بسبب عظمته.
ومن هنا ورد في الدعاء إن عذبتني فبعدلك وإن رحمتني فبعفوك: ولم يقل فبعملي وطاعتي.
فلا يمكن أن نجعل أعمالنا في مقابل العطاء الإلهي لأننا لو أردنا الجزاء بمستوى أعمالنا لما أحرزنا سوى الشيء اليسير.
ومهما كان حجم الجرأة لدى الإنسان على ارتكاب الذنوب، ومهما تفنّن في المعاصي وأكثر منها في حياته وكان عبداً مخلصاً للشيطان ينوب عنه في إغواء الناس، ومهما ظلم وقتل وسرق واغتاب وشرب الخمر ولعب القمار وأكل من الربا فإنه لن ينال الله من ذلك شيء لأن الله عز وجل آمن من معاصي العباد، ولذا قال أمير المؤمنين(ع) في بداية كلامه عن المتقين : آمناً من معصيتهم: فقد حاول الإمام بهذه الكلمة أن يحسم في عقولنا مسألة هامة في موضوع العبودية والربوبية فأخبرنا ضمنياً أنه نحن الخاسرون ونحن الذين يحملون تبعات سيئاتهم إذ لا تضر سيئاتنا الله شيئاً.
إذاً الله عز وجل آمن من كل ما تقترفه أيدينا من أنواع السوء وفنون المعاصي، ولكن هل نحن آمنون من العذاب؟ فالأمر بالنسبة إلى الله تعالى محسوم، أما بالنسبة إلينا فيا ويلنا مما كسبت أيدينا، وأظنننا مصداقاً لقوله تعالى(فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) نحن أيها الأعزاء لسنا آمنين من العذاب إلا إذا أمّنا أنفسنا منه عن طريق الطاعة الصادقة التي لا تنخدش بالمعاصي، فإذا أراد الله سبحانه أن يعذب أحداً من العصاة فلا يمنعه أحد من ذلك فهو القادر على كل شيء وهو الفعال لما يريد.
لأجل ذلك قال إمامنا ومولانا سيد المتقين علي(ع) ، فَإِنَّ اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ، لاَِنَّةُ لاَ تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ، وَلاَ تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ: فقد يتوهم البعض بأنه يسدي خدمة إلى الخالق عندما يقوم ببعض الطاعات، ويغفل عن موضوع يجب عليه أن يعرفة وهو أننا بطاعاتنا نقدم الخير لأنفسنا، نحن بالطاعة نجلب الرحمة والمغفرة لأرواحنا وأبداننا في يوم الحساب ليس أكثر، وها هو ال1ذكر الحكيم ينص على ه1ذه الحقيقة بطريقة واضحة لا يشوبها شك، فلقد قال سبحانه(إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) وقال تعالى(إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ) وهناك أكثر من آية تشير إلى هذا المعنى.
فعندما فرض الله علينا الواجبات ونهانا عن المحرمات فقد فعل ذلك من أجلنا لأنه خلقنا ليرحمنا بشرط أن نطيع ولا نعصي، أما إذا أطعت فإنك تمهّد لنفسك حياة سعيدة دائمة، وأما إذا أسأت فأنت تجر نفسك نحو الهلاك، والأمر عند الله تعالى سيان لا ينتفع بالطاعة ولا يصيبه شيء من المعصية.
ولقد شهد التاريخ كثيراً من الناس الذين تعاملوا مع الله تعالى كما يتعاملون مع خلقه لظنهم بأنه كتلك الآلهة التي كانوا يعكِفون على عبادتها فيكسرونها متى شاؤوا ويحرقونها متى أرادوا ويستبدلونها بغيرها إذا أحبوا ذلك، ومن هؤلاء فرعون الذي ادعى الربوبية لنفسه بعد أن استضعف بني إسرائيل وظن أنه بسلطانه سوف يضر موسى وإلهه فأظهر الله تلك المعجزات على يد كليمه موسى فتغلّب بها على جبروت فرعون ولم يتضرر الله في شيء.
ومن أولئك نمرود الحاكم في زمن إبراهيم هذا الشخص الذي ادعى أنه قتل إله إبراهيم فأجرى الله على يد خليله إبراهيم المعجزة فهزم بها نمرود وغيره.
وقد أشار القرآن الكريم إلى عدم تضرر الله تعالى بمعصية الناس وعدم انتفاعه بطاعاتهم فقال في سورة آل عمران(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)
قِسْمَةُ الرزْق
في بداية خطبة المتقين قال أمير المؤمنين(ع) فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم فالمتقون فيها هم أهل الفضائل:
نعلم وتعلمون أن كلام المعصومين(ع) كلام عميق ومتين يحمل في قلته الكثير من المعاني والأبعاد والمضامين النافعة للبشرية لأنهم عناوين الخير المطلق، فقد عملوا عبر قرون من الزمن على خدمة الناس وتوجيههم وإصلاح أمرهم ورسموا لهم طرق السعادة، فمن شاء سلكها وفاز فوزاً عظيماً ومن شاء أعرب عنها وسلك الجهة المعاكسة فكَتب الشقاء لنفسه بنفسه، فالرابح هو الذي اتبع تلك العصبة الطاهرة التي جعل الله أفرادها أدلة عليه ووسيلة إليه، فإذا نهجنا منهجهم كنا من الناجين لأن فرقة واحدة سوف تنجو من الشقاء وهي الفرقة التي سلكت نهج الحق الذي كان وما زال متمثلاً بالرسول وآله(ص) وكلامنا عن أهل البيت ليس نابعاً من التعصب والحب الأعمى لأن حبنا لهم ليس غلواً ولا هو ناشئ من الجهل بل هو الحب الناجم عن المعرفة التامة، وأنا أرى أن هذا ليس رأياً خاصاً بل هو حقيقة يعرفها جميع المسلمين وكثير من غير المسلمين، فكل صاحب ضمير حي ورأي حر لا بد وأن يتحدث عن أهل البيت بما هو فيهم من دون الإعتماد لا على الغلو ولا على العداء.
لقد افتتح الإمام(ع) خطبته بذكر حقائق يعرفها كثير من الناس وذلك من باب الترغيب بما عند الله ومن باب بيان الحق والعمل به لأن علياً أول رائد من رواد الحق بعد ابن عمه خاتم الأنبياء.
لقد قال(ع) في خطبته: فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم من الدنيا مواضعهم:
إن قسمة الرزق بين العباد لا تختص بفئة دون أخرى ولا بكبير دون صغير بل ولا بمخلوق حي دون مخلوق حي لأن رزق الله يطال جميع الخلق من دون استثناء، والإمام هنا لا يتحدث عن المؤمنين فقط لأن فضل الله تعالى يشمل الجميع، وقد سمّى الله نفسه بالرحمن، والرحمن إسم خاص بصفة عامة كما يقول إمامنا الصادق(ع) أي أن الرحمن هو المنعم على خلقه من دون استثناء، ولذا ورد أن الرحمن رحمن الدنيا وأن الرحيم رحيم الآخرة بمعنى أن الرحمة في الدنيا شاملة للجميع أما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين فقط، ويصح إطلاق أحدهما على الآخرة فتقول كما ورد في الدعاء: يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، والسبب في ذلك هو أن الرحمانية تشمل الناس في الدنيا وتشمل المؤمنين في الآخرة، وكذا فإن الرحيمية كما أنها تشمل أهل الإيمان يوم القيامة فكذلك تشمل البعض منهم في الدنيا، وهذه حالة يحددها الله تعالى.
ولهذا لم تكن قسمة الرزق خاصة بالمؤمنين أو حتى بالبشر لأنها تشمل كل ذوي الأرواح وربما غير ذوي الأرواح أيضاً.
وهذه المعاملة لا شك تختلف عن معاملة المخلوقين لبعضهم البعض حيث يسعى بعض الناس إلى قتل الآخرين من الجوع، أما تعامل الله مع خلقه فهو معاملة خالق قوي وغني وقدير مع عبد ضعيف فقير مفتقر.
فلو أراد الله تعالى أن يعاملنا بالمِثل لقتلنا الجوع والعطش والألم، ولكن رحمته واسعة ولطفه كبير، وأمام هذا اللطف وتلك الرحمة لا ينبغي سوى الشكر فإن شكرنا فلأنفسنا نشكر ونؤسس وليس لله الغني عن طاعاتنا،قال تعالى(قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)
ولقد قرن الله الرزق بالسعي فلو جلس المؤمن في بيته يدعو ربه أن ينزّل عليه الرزق ولم يسعَ له فلن يصل إليه شيء لأن الرزق مقرون بالسعي وهذه هي سنّة الحياة، نعم يوجد هناك آداب يُستجلَب بها الرزق فيما إذا كان المرء ساعياً كمن يقرأ بعض السور والآيات التي لها هذا النوع من الأثر.
مَوَاضِعُ الخَلْق
لكل إنسان في هذه الحياة وضعه الخاص، فمنهم القوي والضعيف ومنهم الغني والفقير ومنهم الرئيس والمرؤوس، ومنهم العالم والجاهل والمؤمن والكافر والمطيع والعاصي، ولكل فرد من البشر درجة خاصة في هذه الحياة ، إما أن تكون درجة في المال أو في السلطة أو في العلم، فالكبير له وضعه وشأنه والصغير له وضعه وشأنه، فلا غنى للكبير عن الصغير ولا العكس، وهذه هي سنة الحياة، ولا شك بأن الإنسان هو الذي يختار الوضعية التي يريدها وذلك من خلال تفكيره وسعيه واختياره لأي شيء، فمنهم من رضي من الحياة بما هو عليه من الفقر والجهل والضعف رغم قدرته على التغيير، ومنهم من سعى إلى شيء فوصل إليه.
هذا التفاضل أو هذا الإختلاف في الدرجة لم يكن بين الناس العاديين فقط وإنما جرى في ساحات النبوة فإن هناك أنبياء أعلى بالدرجة من باقي الأنبياء، فلا أحد يشك بأن خاتم الأنبياء(ص) هو أعلى درجة من كل نبي سبقه، ولا يشك أحد بأن إبراهيم الخليل أعظم درجة من لوط، وهكذا الحال بين الجميع، وهذا ما صرح به القرآن الكريم حيث قال سبحانه(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ)
وقد أخبرنا القرآن أيضاً بأن الله تعالى يرفع درجات من يشاء من عباده، ولكن هذه الرفعة لا تكون إلا بعمل الإنسان واختياره فلا يرفع الله الجاهل ولا الظالم ولا الكافر وإنما يختار من خلقه أشخاصاً يمتعهم بهذه الدرجة العليا من الرفعة والشأن، قال تعالى(وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ)
وقال تعالى(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال سبحانه(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
أما أهل التقوى فهم في الدنيا أهل المَكرمات والفضائل حيث ميزهم ربهم بالتقوى وفضّلهم على من سواهم وجعلهم ذوي كرامات خاصة لأن أكرم الناس عند الله تعالى هم الأتقياء كما أشار القرآن الكريم حيث يقول(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)
فرغم المواضع المختلفة في أحوال البشر، ورغم سعي الكثيرين منهم للوصول إلى الأعلى يبقى المتقين سادة البشر رغم فقر بعضهم ودنو مستواه المعيشي أو الإجتماعي لأن الله تعالى يرفع أهل الإيمان وإن كانوا فقراء.
والله تعالى رفع المتقين لأنهم أرادوا أن يكونوا أتقياء وسعوا إلى ذلك عبر خشية ربهم والإلتزام بأوامره ونواهيه فإن التقوى لا تأتي بالتمني والخيال فقط بل لا بد فيها من العمل فإذا لم يعمل المرء لم يكن تقياً بل لا يمكن له أن يبلغ هذه المنزلة العالية والرتبة السامية والموضع الرفيع المتصل بعزة الله عز وجل.
ونصيحتي لكم أن تضعوا نَصب أعينكم قوله تعالى(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
مُجْمَلُ مَا وَرَدَ فِيْ خُطْبَةِ المُتقِيْن
قال أمير المؤمنين علي(ع) في بيان صفات المتقين: فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ، مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاْقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ:
لا شك بأن المتقين هم أهل الفضائل والمكارم بكل معنى الكلمة لأنهم ارتقوا بالتقوى إلى أعلى مستويات الكمال النفسي والخُلقي، فهم أكرم الخلق على الله لأنهم عشّاقه وأحباؤه والصالحون من عباده، وبعد أن بيّن الإمام(ع) هذه الحقيقة الخاصة بهم راح يصفهم بما وصفهم به الله فقال: منطقهم الصواب: فمن الضروري أن يكون كلام المتقي صواباً وإلا لم يكن من أهل التقوى لأن الذي لا يبالي بثواب الله وعقابه لا يمسك لسانه عن الشر، أما الذي يخشى ربه بالغيب فإنه يراقب كلامه كيلا يكون فيه مضرة له أو لغيره، ثم لا يليق بالتقوى أن يكون صاحبها بذيئاً أو لاغياً أو فحّاشاً، وعلى أي حال فإن المتقين يعملون بقول الله عز وجل(فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا)
وأما بالنسبة لملبَس المتقي فلقد وصفه علي بالإقتصاد، ولا يعني بذلك أن يلبس المتقي الثياب القبيحة المهترئة بل يعني أن لا يقع المتقي في التبذير كما يصنع كثير من المهووسين بتبديل اللباس إلى حد التبذير والبذخ والترف، فالمتقي يلبس أحسن الثياب ويهتم بأناقته ومظهره ولا بد لكل مؤمن من أن يصنع ذلك لأن المظهر له دور كبير في إيصال الصورة الحقيقية إلى الآخرين، فلا يليق بالمتقي أن يستهتر بمظهره ويلفت أنظار الناس نحوه بنظرات لا تليق بشأنه ولا بشأن الدين الذي ينتمي إليه.
والإقتصاد لا يتم بالملبس فقط بل بكل شيء من الأطعمة والأشربة والمسكن ووسائل النقل وغير ذلك مما يحتاج إليه الإنسان في حياته اليومية ولكن والله أعلم لقد خصّص الإمام اللباس لأنه المظهر الأول من مظاهر حياة الإنسان.
وكذا فإن من صفات المتقين التواضع في المشي تنزيهاً لهم عمن يمشون فرحين مرحين متبخترين متكبرين مع أنهم مخلوقون حقيرون تقتلهم الشرقة وتُدميهم العثرة.
وهم بذلك يلتزمون بقوله تعالى(وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)
ومن أهم صفات أهل التقوى غض البصر والسمع عما حرّم الله النظر أو الإستماع عليه، وقد التزم المتقون في هذا بقوله تعالى(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)
وقال(ع) في صفة أهل التقوى: نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ، ولَوْلاَ الاَْجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْن، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ، عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ:
الناس تجاه البلاء والرخاء نوعان، نوع يشكر عند الرخاء ويكفر عند البلاء ولا يذكر ربه إلا في حالات الشدة وينساه في حالة الرخاء، معنى ذلك أن الخالق يمثّل له جانباً واحداً من جوانب حياته أي في الوقت الذي يشعر فيه أنه بحاجة إلى الخالق فقط أما في الأوقات الأخرى فهو ينسى أن له رباً ينبغي أن يذكره على كل حال، إن هذا النوع من ذكر الله غير محمود بل هو مذموم حيث ذم الله أقواماً ذكروه في الشدة دون الرخاء حيث قال في سورة يونس(وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) وفي سورة الزمر(وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ) وفي السورة ذاتها(فَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وفي سورة يونس(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) بهذه الطريقة يتعامل كثير من الناس مع ربهم وهو أسلوب خاطئ يعود بالخسارة على صاحبه.
وأما النوع الثاني من الناس تجاه البلاء والرخاء فهم المتقون الذين ينظرون إلى ربهم بطريقة واحدة في جميع الحالات والظروف فتراه يذكر ربه في الرخاء وكأنه يتضرع إليه في حالات الشدة، وهذه علامة على مدى عشق المتقي لربه.
والطريقة المناسبة في التعاطي مع الله تعالى هي أن تذكره في حالات الرخاء كي يذكرك عند الشدائد إذ قد لا يستجيب لك عند الشدة إذا كنت ناسياً له عند الرخاء.
ولولا الأجل الذي فرضه الله تعالى على أهل التقوى لم تستقر أرواحهم في أجسادهم لحظة واحدة شوقاً منهم إلى النعيم وخوفاً من الجحيم.
فهم يشعرون كأنهم يتنعمون في الجنة فيعملون لها، ويشعرون وكأنهم يُعذبون بالنار فيعملون من أجل الخلاص منها، وهذا هو أصح الأساليب التي يجب أن يتّبعها الإنسان في حياته ليكون يوم القيامة من السعداء.
وقال الإمام علي(ع) في صفة أهل التقوى: : قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ:
عندما نذكر صفات المتقين نهدف إلى بيان ما ينبغي القيام به من قبل العبد ليكون من أهلها، فهي صفات كثيرة تُكوِّن بمجموعها هيكل التقوى، فالذي يريد أن يكون من المتقين فعليه أن يطبق كل هذه الصفات ويتحلى بجميع هذه العلامات من دون أي نقص لأن أي نقص يطرأ في المقام يُفقدك التقوى ويُخرجك من هذا العالم الجميل.
فمن صفات أهل التقوى حُزن القلب، والسؤال هنا، ما هو الشيء الذي يُحزن قلوبهم مع أنهم يستأنسون بالتقوى ويشعرون معها بالراحة والسعادة؟ فالمتقي يحزن على نفسه لأنه يشعر دائماً بالتقصير تجاه ربه، ويحزن لخوفه من العذاب إذا وقع في حرامٍ ومات عليه أو إذا استطاع الشيطان في وقت من الأوقات أن يسيطر عليه ويستدرجه إلى فعل الحرام، هذه أمور من شأنها أن تُحزن أهل التقوى الذين يرجون رحمة ربهم وعطاءاته.
والمتقي يحزن على غيره على الذين باعوا آخرتهم وسولت لهم أنفسهم حب الشهوات، فالمتقي عندما ينظر إلى هؤلاء يحزن عليهم لأنهم جلبوا الشقاء لأنفسهم لأن أهل التقوى يحبون الخير للجميع.
ومن علامات المتقي أن شره مأمون لأنه يخاف الله في عباده فلا يؤذيهم ولا يصنع معهم الشر بل يجعل من نفسه مصدراً للخير بجميع أنواعه المادية والمعنوية، وأقف هنا قليلاً على صفة رائعة من صفات المتقين وهي نحافة الجسد حيث وصفهم الإمام علي(ع) بقوله: وأجسادهم نحيفة: والمطلوب منا هنا هو أنه كيف تكون نحافة الجسد علامة على التقوى علماً بأن أكثر طواغيت البشر كانوا نحيفي الأجساد؟ وكثير من المتقين ليسوا كذلك؟ هذا ما يحتاج إلى شيء من البيان فنقول: إن لنحافة الجسد أكثر من سبب، فتارة يكون السبب هو المرض، وتارة يكون حرمان النفس، ومرة يكون السبب أمراً معنوياً معيّناً، أما السبب الأول فواضح لأنه مرتبط بأمر تكويني إذا أن الأجساد خاضعة لأنظمة هذه الطبيعة التي خلقها الله عز وجل وجعل بينها وبين المخلوقات الحية رابطاً وثيقاً فقد يصاب المرء بمرض معيّن يرجع عليه بنحافة الجسد، وأما السبب الثاني فإنه إما أن ينتج عن البخل أو الفقر أي أمر آخر، ولا ينبغي للإنسان أن يحرم نفسه طالما أنه لا يوجد مانع شرعي أو طبي، فهناك اقتصاد وحرمان، أما الإقتصاد فهو أمر مطلوب ومحثوث عليه في القرآن الكريم الذي وضع ميزاناً واضحاً لهذا السلوك حيث قال تعالى(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) والكلام يجب أن ينصب هنا على جوهر نحافة الجسد الذي جعله أمير المؤمنين علامة من علامات المتقين وهو(ع) لم يكن نحيف الجسد مع أنه سيد المتقين وقائدهم وإمامهم، لا يوجد هنا تناقض ولا غلط، وهذا ما ينبغي أن نجيب عليه بصورتين:
الصورة الأولى: وهي أنه لا يُشترط أن يكون المتقي نحيف الجسد فإن كثيراً من المتقين ذووا أجساد ضخمة.
والصورة الثانية: وهي أن المتقي وإن لم يكن نحيف الجسد إلا أن مشيه المتواضع وعدم صدور الشر منه وخشوعه المستمر لربه وملاطفته للناس وحركاته الهادئة تعكس للناظرين صورة عنه تجعلهم يرونه نحيفاً وإن لم يكن في الواقع كذلك.
وقال أمير المؤمنين في وصف المتقين: وَحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً، تِجَارَةٌ مَرْبِحَةٌ، يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُم، أَرَادَتْهُمُ الْدُّنْيَا وَلَمْ يُرِيدُوهَا، وَأَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أُنْفُسَهُمْ مِنْهَا:
فمن صفات أهل التقوى أن تكون مطالبهم من الآخرين خفيفة ومقدوراً عليها، وفي نفس الوقت فإن نفوس أهل التقوى عفيفة، والعفة صفة من أرقى الصفات الإنسانية قبل أن تكون من صفات أهل التقوى، فأنت عندما تكون حاجاتك خفيفة ونفسك عفيفة فإن الناس سوف ترتاح إليك وتحب معاشرتك، وهذا السلوك قد أوصانا به أمير المؤمنين(ع) عندما قال: خالطوا الناس مخالطة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم:
ولذا فإنك تظن بأن المتقي غني وهو في الواقع فقير وذلك بسبب العفة التي يعمل بها، ولا بد أن يكون المؤمن كذلك، ولقد مدح الله تعالى أهل العفة حيث قال(لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا)
ولقد صبر أهل التقوى أياماً قصيرة وهي أيام الدنيا التي قد تكون في حساباتنا طويلة أو قصيرة إلا أنها مهما طالت فهي قصيرة في الموازين الإلهية لأن الحياة التي تعقبها نهاية هي في الموازين الصحيحة قصيرة وإن عاش فيها المرء مئات السنين، فالمتقون صبروا في هذه الدنيا على الطاعة والبلاء والمعصية فأعقبهم نتيجةً لصبرهم راحة طويلة أبدية في جوار الله عز وجل مع الأنبياء والصلحاء، وهذه هي عاقبة كل من يصبر في هذه الدنيا، وقد وصف الإمام هذه العملية بالتجارة الرابحة لأن كل التجارات التي يعقدها الإنسان مع ربه رابحة من دون شك فلا يُخشى كسادُها.
وهذه التجارة الرابحة يسّرها لهم ربهم لأنهم أرادوها بإلحاح وصدق، وهؤلاء المتقون نَفْعُهم للدين عظيم لأنهم يعكسون الصورة الجميلة التي هي صورة الإسلام حقاً.
فلقد أعانوا الإسلام فنشروه بالقول والفعل وهذا هو واجب كل مسلم تجاه دينه، أما أن تدّعي الإسلام وأنت تشوه صورته من جهات أخرى فهذا السلوك ليس من الدين ولا من الأخلاق لأنك بذلك ترتكب جريمة كبرى في حق الدين الذي تنتمي إليه والذي من واجبك أن تحافظ على نقاء صورته كيلا يظن الآخرون بأنك تمثّل الدين بهذا السلوك السيء والدين من ذلك بريء.
فلقد أرادتهم الدنيا فأغرتهم وزيّنت لهم نفسها وعرضت عليهم زينتها وشهواتها فكانوا كالطود العظيم في مواجهتها، فلقد أرادتهم فرفضوها بإيمانهم وعزائمهم وتقواهم لأن كل هذه الحياة في نظرهم لا تسوي ذرة من رحمة الله التي وصفها الله تعالى بقوله(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)
قال أمير المؤمنين(ع) في وصف المتقين:
أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَالِينَ لاَِجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلاً، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ، وَيَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَتَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَظَنُّوا أنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَة فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَشَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ:
الليل أنيس المتقين فإذا نامت العيون وغفَت الجفون وهدأت الأصوات وأسدل الليل ثوب العتمة والسكون قاموا إلى الصلاة والدعاء والتأمل والتفكر وربما إلى البكاء من خشية الله، فهم أصحاب العيون المرحومة في يوم القيامة لأن عيونهم تسحر في سبيل الله وتغض الطرف عما حرّم الله وتذرف الدموع من خشيته، فهم يسهرون الليالي بالعبادة حيث عرفوا أن الله عز وجل سوف يميّز الذين يقومون الليل عن غيرهم فيعطيهم الدرجات العليا في جنته الواسعة.
فهم في الليل يتأسَّون برسول الله الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، والذي كان يتلو كتاب الله العزيز، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) فالمتقون يلبون هذا النداء الإلهي يتلون كتاب الله حق التلاوة، وأعني بحق التلاوة أن يقصد القارئ وجه ربه وأن يفهم معنى القرآن وأن يعمل بمقتضى القرآن لأن مجرد التلاوة المجردة عن العمل لا تنفع صاحبها بشيء فهو يتعب من دون جدوى ومن دون أثر لأن ظهور الأثر متوقف على نية القربة لله تعالى وعلى العمل الصالح الذي تكتمل به شروط الإيمان المُسبِّب لنيل الرحمة ولدخول الجنة، وهم يتلون القرآن ويقومون بعدة أمور تتعلق به:
أولاً: يقرؤون القرآن لأن قراءته عبادة فيها الكثير من الأجر والثواب.
ثانياً: يُحزّنون بتلاوة القرآن أنفسهم وخصوصاً عند تلك الآيات الكريمة التي تتحدث عن العقاب والعذاب والشهيق والزفير.
ثالثاً: يستجلبون به دواء داء نفوسهم لأن الكتاب العزيز خير دواء للقلوب العليلة والنفوس المريضة.
رابعاً: أن المتقين عندما يمرون على آية تتحدث عن الجنة ونعيمها توقفوا عندها شوقاً منهم إلى هذا الثواب العظيم والنعيم الكبير الذي أعده الله للمتقين، وهذا التأمل يشجعهم على الطاعة لأنهم يشعرون وكأنهم في الجنة يتنعمون فلا يرغبون بالخروج من هذا النعيم ويزيدهم هذا الشعور عملاً، وكذا الحال عندما يمرون بالآيات التي تتحدث عن العذاب فإنهم يقفون عندها متأملين بها يشعرون وكأنهم يُعذَّبون بالنار فيدعوهم هذا الشعور إلى العمل الصالح لينقذوا أنفسهم من هذا العذاب.
خامساً: يقرؤون القرآن لأنه كلام الله الهادي إلى الحق والرشد.
وقال الإمام أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين علي بن أبي طالب(ع) في وصف أهل التقوى: وَأَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ، أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ، قَدْ بَرَاهُمْ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ، يَنْظُرُ إِلَيْهمُ الْنَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَض، وَيَقُولُ: قَدْ خُولِطُوا! وَلَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ! لاَ يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ، وَلاَ يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ، فَهُمْ لاَِنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ، وَمِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ، إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهْمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي، وَرَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسي! اللَّهُمَّ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، وَاجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لاَ يَعْلَمُونَ:
عرفنا كيف هي أحوال المتقين عند قدوم الليل، وهنا سوف نتحدث عن أحوالهم في النهار، فهل يتغير عندهم من الأمر شيء، وهل أن هموم الحياة تُشغلهم عن ربهم أم أنهم مستقيمون على الإيمان في جميع الأحوال؟
فهم في النهار حلماء علماء يُعطون عن التقوى أجمل الصور ويعكسون عن الإيمان أعظم الأشكال فتراهم ضعفاء من شدة خوفهم من ربهم، هذا الخوف الذي براهم بَرْيَ القداح كما يصفهم الإمام(ع)، فإذا نظرت إلى المتقين في النهار ظننتهم مرضى ولكنهم في واقع الأمر ليسوا بمرضى وإنما خُيِّل لك ذلك، فهناك فرق كبير بين المريض في جسده وبين الذي أثقله أمر الإيمان والعمل للآخرة، إن الله تعالى لا يطلب منهم اليأس وهذا الذي يقوم به المتقون ليس يأساً بل هو سلوك يظهر عليهم من خلال تلك الروحية العالية التي يمتلكونها.
وقد يتهمهم الناظر إليهم فيظنهم أصيبوا بالجنون أو ما شاكله من الأمراض النفسية، والحقيقة غير ذلك فلقد خالطهم أمر عظيم وهو الخوف من الله تعالى والشوق إلى الجنة التي يعملون لها، ومن منا لا يتوق إلى الجنة؟ كلنا نرغب بها ولكن ليس كلنا يعمل لها، أما المتقون فهم الحريصون على العمل الصالح الذي يبلغون به مرادهم في يوم الحساب.
ومن شيم أهل التقوى أنهم لا يرضون من أنفسهم بالعمل القليل فلا يملون من الطاعة بل كلما عملوا وأطاعوا كلما شعروا بالتقصير فهم يعملون بشكل مستمر ولا يستكثرون الأعمال الكثيرة لأن هذا الشعور يجعل ثواب العمل الكثير قليلاً إن قلنا بأن فيه ثواباً إذ قد يُحرم مستكثرُ العمل من الثواب، ولأجل هذا نرى المتقين خائفين من التقصير دائماً ، وهم يتهمون أنفسهم بالمعصية ليجبروها على التوبة وهذا أمر محبوب ومطلوب لأن الأنبياء والأئمة كانوا يمارسون هذا العمل العبادي العظيم، وخير شاهد على ما نقول أدعيتهم التي امتلأت باتهامهم لأنفسهم وقد سلك المتقون هذا النهج الذي يعوّد النفس على الطاعة، ومن صفاتهم أنه إذا مدحهم أحد خافوا من أن يجرهم المدح إلى شيء من الغرور فيردون مدح الناس لهم بقولٍ متواضع وأسلوب ليّن يغلبون به الشيطان الرجيم.
وقال علي(ع) في بيان صفات المتقين : فَمِنْ عَلاَمَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِين، وَحَزْماً فِي لِين، وَإِيمَاناً فِي يَقِين، وَحِرْصاً فِي عِلْم، وَعِلْماً فِي حِلْم، وَقَصْداً فِي غِنىً، وَخُشُوعاً فِي عِبَادَة، وَتَجَمُّلاً فِي فَاقَة، وَصَبْراً فِي شِدَّة، وَطَلَباً فِي حَلاَل، وَنَشاطاً فِي هُدىً، وَتَحَرُّجاً عَنْ طَمَع، يَعْمَلُ الاَْعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَهُوَ عَلَى وَجَل، يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ، وَيُصْبِحُ وَهَمُّهُ الذِّكْرُ، يَبِيتُ حَذِراً، وَيُصْبِحُ فَرِحاً، حَذِراً لَمَّا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَفَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَالرَّحْمَةِ:
المتقي يمتلك عقيدة قوية وثابتة لا يمكن أن تتزلزل أو تزول لأن روحه مستقرة بالعقيدة فهو مستعد لأن يبذل الغالي والرخيص في سبيل الثبات على المعتقد الحق الذي يرى فيه حياته وشرفه وعزه وكرامته وسعادته، وتراه حازماً في أمر دينه غير أن هذا الحزم متوج بالرفق واللين والرحمة والعطف والتسامح والتساهل فليس في قلب المتقي حقد ولا في سلوكه تشدد، ولقد اعتنق الإسلام عن علم ومعرفة ويقين فلا يوجد في قلبه ذرة من الشك تجاه ما يجب الإيمان به.
ومن صفات أهل التقوى الإقتصاد في المصرَف وإن كان غنياً لأنه يعمل بحسب الميزان الإلهي الموضوع لهذا الشأن، فهو يبغض التبذير لأن الله تعالى يبغضه.
وأما في العبادات التي يقوم بها المتقي فهي مشحونة بالخشية من الله عز وجل، وهنا يظهر الفرق بين الناس في مسألة العبادة فإن عبادة المتقي قائمة على الخشوع والخشية وهذا ما يزيد في أجرها وثوابها وآثارها عند الله عز وجل.
وأما في حالات الشدة فترى المتقين لا يعبؤون بالأمر ولا يهتمون للشدائد لأنهم معتمدون على الله تعالى فهم مه الله لا يشعرون بالشدائد، ثم إن كل شدائد هذه الحياة لا تساوي شدة واحدة من شدائد يوم الحساب.
فالصبر تاج المتقين لأنهم يواجهون به البلاء ويشدون به على الجراح لأن الصبر جزء أساسي من الإيمان الصحيح.
إذا قام المتقي بعمل صالح فرح فرحاً شديداً لأنه يعلم حسن العاقبة وعظيم الثواب المترتب على الصالحات، فإذا حل المساء كان همه الشكر على ما رزقه الله به وما وفّقه إليه من سبل العيش ومن العمل الصالح، وتراه حذراً مما حُذِّر منه خوفاً من الوقوع في أي خطأ يمكن أن يُسأل عنه في يوم القيامة.
ومن صفات الإنسان المتقي أن لا يعطي نفسه كل ما تشتهيه لأنها في الغالب تطلب الحرام وتسعى وراء إشباع شهواتها مهملةً مشروعية هذا الإشباع، فنرى المتقي يُلجم نفسه الأمارة بالسوء ويُمسك بها جيداً ليجعل منها نفساً زكية منقادة لأوامر الله تعالى ونواهيه.
والمتقي يأنس بما يبقى ويزهد بما يزول فهو يأنس بالآخرة لأنها باقية ويزهد بالدنيا لأنها فانية وإن كانت ظروفها مؤاتية لها لأنه إما أن يتركها هو أو تتركه هي والمؤدى واحد وهو زوال الحياة، وهذا سلوك عقلائي واضح لأن العاقل هو الذي يؤثر الباقي على الفاني، وإلى هذا المعنى يشير الإمام علي(ع) بقوله: قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيَما لاَ يَزُولُ، وَزَهَادَتُهُ فِيَما لاَ يَبْقَى، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمَ، وَالْقَوْلَ بِالْعَمَلِ: ثم إن أمل المتقي ليس طويلاً فهو يعمل وكأنه مفارقٌ الآن ويؤسس وكأنه سوف يخلُد في هذه الدنيا، وقد انطلق بهذا العمل من القاعدة التي وضعها الإمام علي(ع) حيث قال: إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً.
فلقد قصّر المتقي أمله لأن قِصَر الأمل يزيد في العمل وذلك عندما يجعل الإنسان متأهباً للرحيل وهذا ما يدفع به نحو الكسب الكثير ليوم الفقر والفاقة.
ومن صفات المتقي كظم الغيظ وهو حبس الغضب لأن الغضب يجر إلى الوقوع في المخالفات الشرعية ولهذا ورد بأن أكثر ما يعصى الله تعالى في حالات الغضب
والناس تأمل الخير من المتقي ولا تنتظر منه الشر لعلمهم بأنه ينزه نفسه عن الشر، وإلى هذه العلامات الخاصة بأهل التقوى يشير الإمام علي(ع) بقوله: تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ، قَلِيلاً زَلَلُهُ، خَاشِعاً قَلْبُهُ، قَانِعَةً نَفْسُهُ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ، سَهْلاً أَمْرُهُ، حَرِيزاً دِينُهُ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ، مَكْظُوماً غُيْظُهُ. الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ، وَالشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ:
وإن كل ما ذكرناه حول التقوى وصفات المتقين عبر عشرات البحوث ملَخَّصُه أن الإنسان يجب عليه أن يعصم نفسه عن كل خطأ ورذيلة وأن يتحلى بكل كرامة وفضيلة وأن يراقب حكم الله تعالى وينظر إلى المواضع التي ترضيه فيقصدها وإلى المواضع التي تغضبه فيبتعد عنها، وأختم هذه البحوث حول التقوى بما تبقَّى من كلام الأمير(ع) حول بيان صفات المتقين حيث ختم(ع) خطبته بقوله: إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، بَعِيداً فُحشُهُ، لَيِّناً قَوْلُهُ، غَائِباً مُنْكَرُهُ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ، مُقْبِلاً خَيْرُهُ، مُدْبِراً شَرُّهُ، فِي الزَّلاَزِلِ وَقُورٌ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ.
لاَ يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ، وَلاَ يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ. يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ.
لاَ يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ، وَلاَ يَنْسَى مَا ذُكِّرَ، وَلاَ يُنَابِزُ بِالاَْلْقَابِ، وَلاَ يُضَارُّ بالْجارِ، وَلاَ يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ، وَلاَ يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ، ولاَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ.
إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ، نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة، أَتْعَبَ نفسه لاِخِرَتِهِ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ.
بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزاهَةٌ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنَهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْر وَعَظَمَة، وَلاَ دُنُوُّهُ بِمَكْر وَخَدِيعَة.
وبعد كل ما ذكرناه حول التقوى وصفات أهلها أظن أن العاقبة لهم أصبحت واضحة لدى الجميع، ولكنني ومن باب إقامة الحجة أذكر لكم عاقبة المتقين بما جاء في الذكر الحكيم فهو خير الكلام وأحسن الحديث.
ففي سورة الحجر(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)
وفي سورة النحل(وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللّهُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)
وفي سورة الزخرف(الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ)
وفي سورة الدخان(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
وفي سورة الذاريات(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ) وفي سورة النبأ(إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا) وفي سورة القمر(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ)
الشيخ علي فقيه



